الولادة والنشأة:

 

عليك سلام يامختاركلمــــــــــا             ينوح حمام فوق أيك ويسجع

عليك سلام من حبيب وباركت             يد الله في عين لفقدك تدمـــع

عليك سلام الله يافرد عصـــره             فإنك بالرضوان أولى وأرفع

 وأوسعك الرحمن زلفى ونعمة             يضيئ سناها في الجنان يرفع

 

الأستاذ عبد القادر حقوس

 

 

  ولد سماحة الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر في شهر جمادى الثانية سنة 1327 هجرية الموافق 1909م ، في مكان يطل على البحر الأحمر في شرق أرتريا ، على بعد حوالي 30 كيلو مترا من مرسى إرافلى ، حيث كان يعمل والده واعظا ومعلما لأهل تلك الناحية.

والده هوالعلامة الفقيه الشيخ أحمد عمر، الذي تلقى العلم على يد علماء بلده ثم توجه إلى الحجاز ، فلما أتم طلبه للعلم وأجيز له عاد إلى أرض الوطن معلما ومرشدا ، وكان من العلماء المشهود لهم بالزهد والورع ، وقد دعي لتولي منصب القضاء مرتين فرفض.

 في هذا الجو العلمي تربى سماحة الشيخ ، وقرأ القرآن على يدي والده وختمه ، وأخذ عليه مبادئ العلوم الشرعية كالفقه ، وعلوم اللغة ، والأدب وغيرها. ولما بلغ العاشرة تقريبا انتقلت والدته الكريمة إلى بارئها تاركة سبعة من الأبناء ، كان هو ثاني أكبرهم ، فقام برعايتهم مع والده.

 كان له منذ صباه ميل شديد للعلم ، ونفس تواقة للسفر في طلب العلم ، حتى أنه تمثل في وصف حاله ببيت شعر ذكره في مؤلفه:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى       فصادف قلبا خاليا فتمكنا

ولكن موت والدته ، وكبر سن والده ، حالا دون سفره في طلب العلم ، فبقي بجوار أبيه وقام برعايته أتم رعاية ، فنال رضاه وصالح دعاءه حتى لبى والده نداء الحق في 25 صفر 1334هجرية الموافق 1924م.

مغادرة موطنه في طلب العلم:

وبعد وفاة والده بوقت قصير غادر موطنه في 21 ديسمبر 1924 واتجه نحو السودان برا. أقام في مدينة كسلا فترة ثم اتجه إلى أم درمان في 6 مارس 1925. وفور وصوله انتسب بمعهد أم درمان بعد أن تكفل أحد التجار بنفقته ونفقة زميله.

 بعد انتسابه في المعهد بدأ الإلتزام في الدروس ، ولكنه لم يكتفي بدروس المعهد فقط وإنما اجتهد في تحصيل العلم خارجه ، وخاصة على الشيخ  القوصي الحنفي.

قضى في المعهد حوالى سنتين ، ولكن قلبه ظل معلقا بالسفر إلى مصر، بلد الأزهر الشريف، فغادر السودان متجها إلى القاهرة.

وصوله إلى القاهرة وانتسابه بالأزهر:

وصل إلى القاهرة يوم 26 محرم 1345 هجرية ، وانتسب بالأزهر الشريف في 28 صفر بعد نجاحه في إمتحان القبول في عهد شيخه الإمام الأكبر الشيخ محمد أبي الفضل الجيزاوي رحمه الله .

فور انتسابه بادر إلى طلب العلم بهمة عالية ، وعزيمة قوية ، ورغبة جامحة ، وتلقى دروسه في أماكن عدة ذكرها بتفصيل في مؤلفه.

مرضه وسفره ثم عودته إلى مصر:

أصيب بمرض خطير أثناء دراسته ، فدخل المستشفى الإيطالي بالعباسية ، ومكث فيه ثلاثة أشهر دون تحسن ، فسافر إلى وطنه بحرا من السويس إلى مصوع في 19 يوليو 1930م ، وعولج هناك بطب أهل البادية ، فمن الله عليه بالشفاء ، فعاد إلى القاهرة في 12 سبتمبر 1931م.

نيله الشهادة العالمية للغرباء والشهادة العالمية النهائية:

بعد عودته إلى القاهرة واصل طلبه للعلم فورا حتى أتم تعليمه بنيل الشهادة العالمية للغرباء في 17 أغسطس 1932م في عهد شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ محمد أحمد الظواهري .

بعد حصوله على الشهادة العالمية للغرباء بدأ يستعد إستعدادا حثيثا للدخول في الإمتحان النهائي. وفي خلال هذه المدة سعى لتحصيل العلم على عدة مشايخ ، وتردد كثيرا على المكتبات باحثا ودارسا ومنها (كما ذكر في كتبه):

 دار الكتب المصرية ، ومكتبة التيمورية ، ومكتبة السيد عمر مكرم ، ومكتبة قولة ، ومكتبة الشنقيطي ، ومكتبة أحمد زكي ومصطفى كامل باشا ، ومكتبة الأزهر ، ومكتبة رواق الأتراك والمغاربة. وقد أمكن له من خلال تردده على هذه المكتبات أن يطلع على مخطوطات نادرة ، وموسوعات فريدة.

وانتسب في هذه الفترة أيضا في المدرسة الإيطالية ببولاق لتعلم اللغة الإيطالية ، ثم في مدرسة تحسين الخطوط الملكية.

بعد أن أتم واستكمل استعداده إشترك في الامتحان النهائي وحصل على الشهادة العالمية النهائية في 10 أغسطس 1937م في عهد شيخه شيخ الأزهر ، الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي. 

تخصصه في الفقه والأصول:

بعد حصوله على الشهادة العالمية دخل في تخصص الفقه والأصول ، ومكث فيه حوالى ثلاث سنوات حتى أتمه على أكمل وجه. وكان يجمع في هذه الفترة بين التخصص والعمل في مناح شتى ؛ وبإتمامه التخصص إنتهت صلته بالأزهرالشريف.

مشايخه في مصر:

ذكر في مؤلفه بأنه تلقى العلم منذ بداية رحلته العلمية على 93 شيخا ، وفيما يلي ذكر بعض المشاهير منهم:

1-    العالم الشهير الإمام محمد بخيت المطيعي

2-    الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي

3-    إمام أهل السنة الشيخ محمود خطاب السبكي

4-    العلامة الفقيه الشيخ محمد زاهد الكوثري ( أجاز له جميع مروياته )

5-    العلامة الشيخ عبدالرحمن ابن محمد البنا ( أجاز له جميع مروياته )

6-    المحدث العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي ( أجاز له جميع مروياته )

7-    العلامة الشيخ عبدالرحمن عليش ( أجاز له جميع مروياته )

8-    سماحة الشيخ مصطفى صبري ( شيخ الاسلام )

9-    الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت 

الأعمال التي مارسها في مصر:

* عمل مدرسا في التدريس الأهلي الحر على فترات متقطعة قبل تخرجه وبعده.

* عمل في المحاماة الشرعية ، وتدرب عليها واطلع على نظمها ولوائحها فاكتسب خبرة كبيرة.

*  عمل مصححا في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وفي غيرها من المكتبات الصغيرة.

* قام بالتحقيق ، والتأليف ، والتعليق على الكتب ، ومنهاالكتب الآتية وكلها طبعت في مصر:

- وصية الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ابن ثابت لتلميذه يوسف ابن خالد السمتي البصري ويليها منظومة فى آداب العلم والتفقه. راجعهما وعلق عليهما وطبعت الرسالة فى مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1963م.

-  متن تنقيح الأصول في علم الأصول لصدر الشريعة عبيد الله ابن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي. راجعه وصححه وعلق عليه بإفاضة ، تقرر تدريسه بكلية الشريعة الإسلامية بالأزهر الشريف ، طبع في المطبعة المحمودية في شوال 1356هجرية.

- شرح العلامة الأميرعلى نظمي 39 مسألة التي لا يعذر فيها بالجهل للعلامة بهران ابن عبدالله. راجع أصوله وعلق عليه ، طبع في المطبعة المحمودية سنة 1940م.

-  ألف عدة رسائل ، منها رسالة في الفقه عنوانها:

- هدية المستفيد فى حكم صلاة الجمعة مع العيد. طبعت في مطبعة دار التأليف في عام 1961م.

*        كتب عدة مقالات في أكثر من مجلة منها:

-         مجلة الإسلام لصاحبها أمين عبدالرحمن.

-         صحيفة القلم الصريح لصاحبها عبد الفتاح الرفاعي.                              

وقد جمع بغض الإستعمار بينه وبين صاحب صحيفة القلم الصريح ، التي كانت تشن حملة شعواء على الإستعمار الإيطالي ، فكان سماحة المفتي يحرر ويصحح ويمد هذه الصحيفة بمعلومات وينشر كل ذلك باسم مستعار. ولقد صودرت الصحيفة عدة مرات ، وأخيرا منعت عن الإصدار نتيجة لشكاوي الحكومة الإيطالية المتكررة . 

مرضه وعودته بصفة نهائية إلى أرتريا:

ونتيجة لحياة حافلة بالإجتهاد والدراسة والبحث العلمي ، مع ماكان يعانيه سماحته من متاعب صحية سابقة ، فإن المرض عاوده حتى أجهد قوته وشل حركته ، ومن جراء ذلك دخل المستشفى في 30 أكتوبر 1939م ، ووضع تحت الأشراف الطبي ومنع من الكتابة أو بذل أقل مجهود.

أثناء وجوده بالمستشفى جاءه الخبر من السفارة الإيطالية بالقاهرة بتعيينه رئيسا للمحكمة الشرعية العليا بأسمرة (بطلب من أعيان البلد في أرتريا). تردد في قبول هذا التعيين نظرا لعدم رغبته في العودة إلى وطنه وهي تحت الإستعمار ، ولكن بعد ضغوط متواصلة تعهد بقبول الوظيفة وهو في المستشفى ، ثم توجه بعد أن تماثل للشفاء إلى السويس وتحرك منها إلى ميناء مصوع بحرا في 13 أبريل 1940م.

فارق مصر وكله ألم وحسرة بعد حياة دامت 15 عاما ؛ وذكر في مؤلفه بأنه عندما أبحرت الباخرة كانت دموعه تنهمر بغزارة ، وقلبه يكاد ينقبض ، وأنه كان يردد في طريقه قصيدة الوزير الأندلسي أحمد ابن زيدون التي يقول في مطلعها:     

أضحى التنائي بديلا عن تدانينا         وناب عن طيب لقيانا تجافينا

وعبر عن أسفه لبعده عن الأزهر بأبيات منها بيت قال فيه:

ليت لى عود بلثم ترابـــه           وعمـر في ساحته مختـوم

وفي 10 ربيع الأول 1359هجرية الموافق 16 أبريل 1940م وصل إلى أسمرة ، عاصمة أرتريا ، وبدأ مباشرة أعماله في الحال. 

المناصب التي تولاها في أرتريا:

- عين كأول رئيس لمحكمة الإستئنافات الشرعية النهائية ، وقاضيا لقضاة أرتريا في 4 ديسمبر 1939م.                                                        

- عين كأول مفتي للديار الأرترية عام 1940م.                                      

وكان هذا التعيين بناء على طلب من أعيان البلد. وهو أول مفتي يعين رسميا لأرتريا مشرفا على جميع الشؤون الدينية ، بخلاف من تلقب بالمفتي ممن سبقوه حيث كان ينسب إما إلى قومه كمفتي قبيلة منفرى ، أو إلى جهة كمفتي مصوع.

- عين كأول مفتش لكافة المحاكم الشرعية في يونيو 1940م ، وأمره الحاكم العام بتفتيش 93 محكمة في أرتريا وأثيوبيا ، ولكن قيام الحرب حال دون ذلك.

- عين كأول رئيس لكافة أوقاف أرتريا في نوفمبر 1943م.

- رأس جبهة العلماء الأرترية ، بعد أن سعى إلى إنشائها في مايو 1952م.

- عين كأول قاضي وطني في محكمة أرتريا الكبرى النهائية في سبتمبر 1952م. 

بعض إنجازاته وإصلاحاته:

أما منجزاته فقد ورد ذكربعضها في ثنايا السطور السابقة ، وعلى الإجمال فإن حياته رحمه الله تعالى حفلت بمختلف النشاطات في الشئوون الدينية الإسلامية : تدريسا ، وتأليفا ، ونشرا ، ودفاعا عنها. وقد خدم اللغة العربية في غمرة الأحداث السياسية التي حاقت بالبلاد ، ودافع عنها دفاعا مجيدا يسجله له التاريخ بأحرف من نور.

وقد كان في طليعة رجال النهضة والإصلاح في أرتريا ، حيث أيقظ الشعب المسلم من سباته العميق ، فتأسست المعاهد ، والمدارس ، والمكتبات ، والمساجد ، والجمعيات بإرشاداته. وفي عهده فقط بنى أكثر من ثلاثين مسجدا في أنحاء القطر.

أصلح المحاكم الشرعية ونظمها بوضع لوائح وقوانين تسير عليها ، ودعا إلى مؤتمر للقضاة ، فانعقد مرتين وأصدر توصيات مهمة. ووضع كذلك نظام الإمتحان للمرشحين للقضاء لاختيار أهل الكفاءة ، وأوجد المحاماة الشرعية.

نظم الأوقاف ، وجمع حججه ، ونشر الإحصائيات عن المساجد ، والمعاهد ، والكتاتيب. ووضع لائحة للأوقاف ، وأسس جبهة العلماء لتقوم بمهمة الدعوة ، وحارب العادات والتقاليد المخالفة لروح الشريعة وتعاليم الإسلام.

كما كافح خطط المستعمرين ، وأعداء الاسلام ، وعرقل مساعيهم بشجاعة نادرة. وحارب بين المسلمين المذهبية ، والطائفية ، والقبلية ، ووحد صفوفهم ، ونبههم على حقوقهم الشرعية والقومية ، وحارب الفتنة الطائفية التي كان يزرعها أعداء الوطن بين الحين والآخر.

  وكان بالجملة نجما ساطعا ، وعلما بارزا ، ومصلحا متميزا في الديار الأرترية ؛ خلف تراثا عظيما من مؤلفات قيمة ، وترك أثرا محمودا ، وذكرا حسنا  يكون نبراسا وأسوة لمن بعده على مدى التاريخ. 

العهود التي عاصرها بعد عودته إلى وطنه:

 عاصرسماحة المفتي:

- العهد الإيطالي (1940-1941)

- العهد البريطاني (1941-1952)

- العهد الفيدرالي (1952-1962).

- عهد الإمبراطور الأثيوبي هيلى سيلاسى (1962-1969).

 وكانت الفترة التي عاصرها سماحته حافلة بالأحداث والفتن التي عصفت بالبلاد. وكان رحمه الله يتابع عن كثب التطورات السياسية والدستورية وكان على دراية تامة بها ، وقد دون بتفصيل أحداث هذه العهود وملاحظاته عليها في عدد من كتاباته. وقد وصف في مؤلفه فترة ولايته قائلا:

 "وقد شاءت إرادة الله أن تكون أيام ولايتي أيام نزاع وعراك ودسائس قدمت مع طلائع الحرب العالمية الثانية ، وتبعتها معارك الدول في مصير مستعمرات إيطاليا التي منها أرتريا ، وولدت الأحزاب السياسية التي تقمص الإستعمار تحت ثوب بعضها ، وحارب من وراء ستارها الشعب الإسلامي ، ودينه ، ولغته العربية ، وكيانه العمومي ؛ وشعاعه قد أصابني كثيرا ، وتحملت منه ماأثقل كاهلي ، في سبيل الدفاع عن الحق بمختلف الطرق المباشرة وغيرها...."

وفي فترة تقرير المصير لم ينضوي في أي حزب سياسي ، وإن كان له ميل واضح لحزب الرابطة الإسلامية ، الذي كان شقيقه الأكبر الحاج سليمان من أبرز مؤسسيه. وكان لسماحته دور مباشر وغير مباشر في مساندة الرابطة وتوجيهها ودعمها بالمقالات ، والبحوث التاريخية والقانونية والشرعية.  وفي محاوراته ولقاءاته مع رجال السياسة ، والإدارة الحكومية ، ومندوبي الأمم المتحدة ، كان يطالب بإلحاح بإن تحترم إرادة وحقوق الشعب الأرتري ، وأن تقدم على أي إعتبار آخر.

وبعد صدور قرار الأمم المتحدة بإقامة الإتحاد الفيدرالي بين أرتريا وأثيوبيا ، ظل مطالبا المسؤوليين على كافة المستويات باحترام القرار الفيدرالي ، والدستور الأرتري ، وتطبيق نصوصهما كاملة ، وحذر مرار من مغبة التلاعب بهما.

وبعد الإلغاء التعسفي للقرار الفيدرالي ، وفي عهد الإمبراطور هيلى سلاسى - المعروف بتوجهه الطائفي - ، تعرض سماحته لضغوط ومضايقات كثيرة ، ولكنه ظل مصرا ومثابرا على المطالبة بإحترام حقوق المسلمين ، ومعاملتهم بالمساوات والعدل كأتباع سائر الملل الأخرى. واحتج بشدة على تدخلات الحكومة في شؤون الإدارة الدينية ، واعتقالها للعلماء والمشايخ بدون مبرر، واعترض بقوة على قتل الأبرياء ، وتدمير القرى الإسلامية ، وطالب بإيقافها فورا. ورغم الترغيب والترهيب ، فإنه رفض بإلحاح مطالب الدولة بإصدار فتاوى تجرم الثورة الأرترية وتعتبرالفدائيين "خارجون على القانون ، وملحدون للأديان ، وتحرم الصلاة عليهم ودفنهم ، وتجب محاربتهم ومحاربة من يعاونهم". وبدلا من ذلك طالب محاورتهم ، والنظر في مطالبهم وحلها على أساس من العدل والإنصاف.  

وفاته:

 دخل المستشفى بعد مرض ظل يعاوده وظل يعالج فيه حتى نفذ قضاء الله بقبض روحه الطاهرة في مساء يوم الأربعاء 25 يونيو 1969م. وقد ثارت شبهات في سبب وفاته في المستشفى ، ويعلم الله حقيقة الأمر.

 تم دفنه في ظهيرة يوم الخميس 26 يونيو 1969م في مقبرة حزحز بأسمرة ، بحضور جمع غفير توافد من كل أنحاء أرتريا ، يعمه الحزن الشديد والأسى العميق على فقد أعظم شخصية عرفها التاريخ الأرتري ، وقد ألقى عدد من الحضور كلمات أبرزو فيها تاريخه ودوره وعبروا عن ألمهم على فراقه. 

حياته الشخصية:

تميزت حياته الشخصية بالحركة ، والنشاط ، والعمل المتواصل. وكان حليفا للبحث والمطالعة ، ولم يكن ينام من الليل إلا قليلا. وقد أثرت كثرة الكتابة على ظهره ، وعلى يده اليمنى ، فتعود الكتابة باليسرى.

كان زاهدا ، ورعا ، متقللا ، معرضا عن حطام الدنيا ؛ وكان حكيما ، حليما ، صبورا ، عفيفا ، قليل الكلام ، ودودا ، عطوفا ، متسامحا إلى أبعد الحدود في كل ما يتعلق بشخصه ، وأسدا هصورا في الدفاع عن الحق.

كانت له شخصية قوية ، وطلعة بهية ، تملأ العيون مهابة وجلالا ، جعل الله له القبول في الأرض. وكان خطيبا مفوها ، يلهب مشاعر السامعين ، ويهز قلوبهم بما حباه الله من فصاحة اللسان ، وقوة في البيان ، وقدرة على الأداء.

حظي باحترام وتقدير عقلاء مسيحيي أرتريا لمواقفه الوطنية ، ولدعوته للتسامح والتعايش السلمي على أساس من العدل والإنصاف ، وجمعته علاقة ود بالوطنيين الأحرار من رجال الدين والأعيان منهم خاصة.

كان شغوفا بالخروج إلى الأماكن الخلوية المفتوحة ، والتجول حول الجبال ، ولازمته هذه العادة حتى توفاه الله ، رغم تحذيره من خطر الإعتداء عليه. وكان مجيدا لإطلاق الرصاص ، حيث كان مسلحا ليحمي نفسه من أي إعتداء.

 كان يقول الشعر وإن لم يكن مبرزاً فيه ، غلب على شعره الجانب الوطني والوجداني. وكان بالإضافة إلى طول باعه في العلوم الشرعية ، مبرزا في علم التاريخ والأنساب وله كتابات وتحقيقات عدة في هذا المجال. وكان على إطلاع واسع ودراية تامة بالدساتير والنظم والقوانين المدنية.

خلف من الذرية خمسة ، ثلاث بنات ( فاطمة، وسعاد، وزهرة )، وولدان (إسماعيل، وسالم). 

دار الإفتاء من بعد وفاة سماحة الشيخ إبراهيم المختار:

إن وجود مفتي لأرتريا وحدها دون غيرها ، والتي كانت تعتبر تحت حكم الإمبراطور القسري إحدى محافظات أثيوبيا آنذاك ، كان يرمز إلى إستقلال وتميز أرتريا. ولم  تجري العادة عند مسلمي أثيوبيا (أو لم يسمح لهم) بتعيين مفتي للبلاد. فلجأ زبانية الإمبراطور لطمس هذا الرمز (مفتي أرتريا) بالحد من اختصاصاته ، ومطاردته ، أو بالتحايل كتعيينه مستشارا للحاكم العام للشئوون الدينية ، ولكن قوة شخصية سماحة المفتي وشعبيته الجارفة منعتهم من ذلك.  فلما رحل عن الدنيا تنفسوا الصعداء وحققوا ما كانوا يسعون إليه.

ولذلك لما سعى المسلمون إلى إختيار خلف له ورشحوا من أجل ذلك عدة شخصيات ، هددهم الحاكم العام الأثيوبي بالحبس وطردهم بكل إهانة ، فظل المنصب شاغرا لأكثر من أربعة وعشرين عاما، حتى أذن الله بإستقلال أرتريا. فطالب المسلمون بتعيين مفتي لهم فوعدت الحكومة الأرترية المؤقتة آنذاك بتحقيق ذلك المطلب، ثم وافقت على تعيين مرشحهم العلامة الفقيه اللغوي الشيخ الأمين عثمان الأمين مفتيا للديار الأرترية في 21/8/1992 ، حفظه الله وأمد عمره بالعمل الصالح السديد.

مؤلفاته:

كان سماحة المفتي كثير التأليف والكتابة ، رغم كثرة مهامه ومشاغله ، ورغم إعتلال صحته. وقد تنوعت كتاباته وتعددت في مجالات شتى ومناحي مختلفة. ومقالاته في الصحف تعد بالمئات وقد كتب بعضها ونشرها بأسماء مستعارة (وبالأخص المقالات السياسية). وقد طبعت بعض رسائله ، ونشرت بعض فصول من كتبه في الصحف المحلية. تجاوزت كتب المفتي ورسائله على الخمسين وفيما يلي بعضها:

الكتب الشرعية والفقهية:

1-   إرشاد المبتدئ على مقدمة أبي الليث السمرقندي ويليه إعانة المستهدي في تخريج أحاديث أبي الليث السمرقندي.

2-   أسنى الغايات شرح تحفة الثقات في محاسن التوقفات " منظومة".

3-   بغية الرائد فيما لذ وطاب من الفوائد" في ثلاث مجلدات"

4-   الدرة البهية في حل الرموز الفقهية.

5-   هدية المستفيد في حكم صلاة الجمعة مع العيد.

6-   الحديقة الندية في إصطلاحات العلوم الشرعية .

7-   مفيد المفتي والسائل إلى مختلف المسائل (3 مجلدات).

8- المطالب العالية في أحكام الفطرة والأضحية والزكاة المالية.

الكتب التاريخية والقومية:

1-    دحض الوشاة عن اللغة العربية في أرتريا والحبشة.

2-    لفت النظر إلى علماء الإسلام في أرتريا في القرن الرابع عشر.

3-    الحاوي لأخبار الشعب السيهاوي (مجلدين).

4-    الجامع لأخبار جزيرة باضع.

5-    إزالة الغواشي عن أخبار النجاشي.

6-    جلاء النظر بأخبار رواق الزيالعة ثم الجبرتي بالأزهر.

7-    محو الغشاء عن ملوك الإسلام في الحبشة.

8-    الثريا بأخبار أوقاف أرتريا الإسلامية.

9-    القنبرة في تاريخ المركز الإسلامي بأسمرة.

 

رثاؤه :

وداع وأسى
لفضيلة الأستاذ الشيخ عبدالقادر إبراهيم
(المدرس بمدرسة الجالية العربية بأسمرة)

من للديار لها يامفتي الـــــدار

 

 

ودعتنا فجأة من غير إنـــــذار

فأنت كنت لنا ثوبا يزيننـــــا

 

 

ومن ترى اليوم يكسي جسمنا العاري

فأنت كنت لنا حصنا نلوذ بـــه

 

 

في كل ضائقة تأتي بأخطـــــار

قد كنت دوما لنا نورا يضيئ لنــا

 

 

في ظلمت الليل أو في زحمة الساري

تركت فينا فراغا ليس يملــــؤه

 

 

فرد من الناس يالهفي لمختــــار

كم من نفوس بكت في يوم رحلتكـم

 

 

وكم ضلوع كوتها حرقة النــــار

وكم عيون ترى في العين قد جمـدت

 

 

وليتها ذرفت دمعا بمــــــدرار

يبكون فيك معاني كنت تحملهـــا

 

 

وعزة النفس والإخلاص للبـــاري

يبكون فيك شجاعا غير مكـــترث

 

 

في الحق لا يرتضي إلا بإظـــهار

أين الكنوز التي كنت ترسلــــها

 

 

إلى الجرائد حتى يهتدي القـــارئ

أين المقالات في الأحكام ترشــدنا

 

 

بل أين صوتك يشدينا بإبـــــهار

من للمنابر يشدوا فوق منبرهـــا

 

 

من للمساجد يرعاها بإكبــــــار

ومن يصون كتاب الله من عــبث

 

 

ومن يدافع عنه غير خــــــوار

ومن يغار على دين الحنيفية مــن

 

 

يذود عن حوضها شهما بإصـــرار

مضى الفقيد يحامي عن عقيدتــه

 

 

كونوا حملة الهدى من بعد مختـــار

ولا تكونو ضعافا في إرادتكـــم

 

 

والله ينصركم في كل أطـــــوار

الله نسأل أن يكرم وفادتـــــه

 

 

يدخله من فضله جنات أبـــــرار

دمعة الإسلام على فقيد الإسلام
للأستاذ محمد عمر با رحيم

مفتي الديار فمن للدار يعليهـــا

 

 

بعد الرحيل إذ قد مات بانيهــــا

يالهف نفسي على قوم تركتهمـوا

 

 

حيرى القلوب وهول الخطب يشجيها

من للفتاوى إذا نادى الحيارى لهـا

 

 

من للعلوم إذا نادى مناديهـــــا

من للتواريخ بعدك ياأخا همـــم

 

 

خلفت مأثرة الله يبقيهــــــــا

نحن المصابون في عز ومكرمـة

 

 

نحن المصابون في مصباح ناديهــا

نادى النعي بموتك ياله نبــــأ

 

 

أبكى القلوب على المختار مفتيهـــا

قد كنت حصنا لدين الله في زمـن

 

 

عز على أمة إحياء ماضيهـــــا

وفقت بين قلوب كان يفرقهـــا

 

 

جهل أضل وعلم لا يرقيهــــــا

فهنيأ فأنت على التاريخ مفخــرة

 

 

مذكورة في سجل العز بانيهـــــا

ولترحل الروح بالإجلال ذاهبــة

 

 

في جنة الخلد عند الله باريهـــــا

كلمات التأبين:

وقد ألقى عقب صلاة الجنازة جمع من العلماء والوجهاء كلمات ذكروا فيها سيرة سماحة المفتي وجهوده الإصلاحية ، ومنهم فضيلة الشيخ محمد صالح حامد ، وفضيلة الشيخ عبد القادر إبراهيم ، وفضيلة الشيخ أحمد إبراهيم ، وفضيلة الشيخ سليمان الدين أحمد ، والأستاذ أحمد سرور. وفيما يلى بعض المقتطفات من هذه الكلمات.

 كلمة الأستاذ أحمد سرور:

"لقد كان رحمه الله علما في شخصيته ، شهما في إنسانيته ، شجاعا في إقدامه ، متفانيا في إخلاصه لدينه ، فاعلا للخيرات ......فمن للمساجد والمعاهد والعلم بعدك يارائد العلماء ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 أيها الراحل الكريم إن الأمة إذ تودعك باكية إنما تبكي فيك العلم الذي كنت حامل مشعله ، وتبكي فيك الشجاعة التي كنت عمادها ، وتبكي شخصيتك الفذة التي كانت عنوان العلم ومهبط الأمال. فمن في الأمة لايذكر غيرتك الدينية ، ومواقفك المشرفة في الذود عن حمى الدين. إن أعمار الرجال لاتقاس بالأيام والسنيين بل بما قدمت من أعمال جليلة ؛ فليبكك العلم الذى جس أواره ، ولتبكك الشهامة التي انصدع ركنها ، وليبكك الإحسان الذي تقلص ظله ، فلا حول ولا قوة إلا بالله."

كلمة فضيلة الشيخ محمد صالح حامد:        

لعمرك ما الرزية فقد مال               ولا فرس يموت ولا بعـير

ولكن الرزية فقد حـــر              يموت بموته خلق كثــير

  ............................

أيها السادة:

لست في مقام أعظكم فيه وإنما الموقف نفسه هو الذي يعظنا اليوم. فنحن نودع رجلا من أبر رجال الإسلام في ديارنا ، خدم الرسالة الإسلامية والملة المحمدية قرابة أربعين عاما ، حيث ظل يفتي المسلمين ويوجههم إلى مافيه صلاحهم في الدنيا والاخرة.

وقد كان رحمه رمزا للخلق الطيب ، والعلم ، والإخلاص ، والحياء والإحترام... وبوجوده حيا كان يملأ فراغا كبيرا يعتز به المسلمون .. وقد كان ملتقى و معقد آمالهم. ما أعظم مصيبتنا فيه ... إختاره الله لجواره في وقت أحوج ما تكون الأمة إليه ... فإنا لله وإنا اليه راجعون.... 

مقتطفات من وصف موكب جنازة سماحته ، نقلا عن جريدة \"الوحدة\" اليومية:

"وما أن أعلن نبأ وفاته حتى عم الحزن والأسى جميع الأوساط لهذه الفاجعة الكبرى ، ولم تمر ثواني معدودة لإعلان نبأ هذا الخطب الجلل حتى تناقلته أسلاك البرق والهاتف وطارت به إلى كافة أنحاء المحافظة ، في الوقت الذي كانت جموع الناس من كافة الطبقات والملل والنحل تتدفق إلى دار سماحته وقد ارتسم الأسى والحزن محيا هذه الجموع لفقدانها إمامها الورع ، وفقيها الزاهر ، ومرشدها الديني الشجاع الذي لايخاف في الله لومة لائم.

أجل ظلت هذه الجموع تتدفق إلى دار سماحته لتسكب الدموع السخينة التي لم تستطع حبسها على الرغم من وصية سماحته التي طلب فيها من أبنائه المسلمين عدم البكاء والنياح عليه في حالة وفاته.

وبعد أن ظلت حشود المسلمين والمعزين الأخرين تتلاطم كالبحر الزاخر في فناء سماحته الكائن بشارع "ليوناردوا دافنتشي" وقرب وقت نقل جثمانه الطاهر إلى مقره الأخير أخذ يستبد الأسى بهذه الجموع الزاخرة الحزينة ، وفي الساعة الثانية عشر ظهرا تحرك موكب الجنازة من دار سماحته في سيارة محاطة بأكاليل الزهور ، والبوارق الصوفية ، وقطعة من حرس البوليس ، وهم يسيرون في خطوات حزينة. بينما سار خلف النعش في الصف الأول أصحاب الفضيلة أعضاء جبهة العلماء ، والرسميون ، ورجال القضاء ، وحشود زاخرة من مختلف طبقات الأمة.

وقد سار هذا الموكب الرهيب يحف به الوقار والخشوع مخترقا أهم الشوارع متوجها إلى المقبرة الإسلامية بحزحز بأسمرة التي كانت هي الأخرى مكتظة من جميع جوانبها ومساحاتها بالألوف المؤلفة من المشيعين والوفود الي قدمت من جميع أنحاء محافظة أرتريا ، وكان قد سبق بالحضور إلى مكان المقبرة كبار الرسميين ........وجميع قناصل الدول الأجنبية في أسمرة ، ورؤساء مختلف الطوائف الدينية ، ورؤساء الجاليات الأجنبية ، والقضاة، والمحامون ، وكبار رجال الأعمال وغيرهم.

وأخيرا إحتشدت جموع المسلمين الزاخرة في الساحة الكبرى الواقعة أمام المدرسة الإسلامية للصلاة على سماحة فقيد الإسلام الراحل ، وقد أم المصلين فضيلة الشيخ إدريس سليمان القاضي بمحكمة الإستئنافات وبعد الصلاة وقف أمام المايكرفون المؤبنون لسماحته........ وقد تحدث الجميع ذاكرين مكانة سماحته في البلاد وخدماته الدينية وإرشاده للمسلمين بكل نزاهة وإخلاص وأمانة للدين ، كما تحدثوا عن زهده وصلاحه وعفته وشجاعته وتفانيه في خدمة الإسلام والمسلمين طيلة حياته الحافلة بكل ما يرضي الله ورسوله..................

هذا وبعد إنتهاء مراسم الدفن تقبل المسلمون تعازي المشيعين من مختلف الطوائف والملل ثم أقبلوا يعزون بعضهم البعض في وفاة فقيد الإسلام الراحل سماحة الشيخ إبراهيم المختار........"

 عدد 1606 السنة السابعة ، 12 ربيع الأول الثاني 1389 هجرية الموافق 27 يونيو 1969.  

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.  

موقع مفتي أريتريا الأول / الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر
تصميم وتطوير